موائد الإفطار..في شهر رمضان ..رغم الحصار
في هذه الآونة ، يطل علينا شهر الخير والبركة ، يعمنا جو من الطيب والاحسان ، والبهجة تعم قلوب المسلمين في مدينة غزة ، رغم ما بها من جراح ، وما بها من ألم وضيق في العيش ، وحصار جائر قطع بأهلها السبل للحصول على مستلزمات هذا الشهر الفضيل .
هي لحظات قليلة ، تفصلنا عن أذان المغرب حسب توقيت مدينة غزة ، كنت جالساً على شرفتي أنتظر مدفع الإفطار ، وأتأمل حركة الناس من حولي ، الأسواق لازالت تعج بالمتسوقين ، هذا يشتري صحن الحمّص ليزين به مائدته مثلما اعتاد كل عام ، واعتاد أن يكون هذا الصحن جزءاً أساسياً من وجبة الإفطار وربما السحور ، وذاك يشتري عرق السوس " الخروب " العصير المفضل ، ومن العصائر اللذيذة التي تتزين بها السفرة ، وآخر ينتظر دوره ليحصل على القطايف من أشهر الحلويات التي يشتهيها الإنسان بعد الإفطار ، وغيرهم الكثير ، كلٌ له حاجة يسعى لقضائها ليعود لبيته ويفرح أولاده بها .
تساءلت في نفسي ، والعجب يراودني ، من أين جاءت تلك البضائع ؟ ، أهو من بركات رمضان قد أفاض على الناس ، والحصار !! ،، وغلاء الأسعار !! ،، وقلة العمل !! ،، وكثرة في الوقت دون عمل شيء !! فغزة في رمضان لازالت وعلى مر السنين تحتفظ بعاداتها في رمضان ، ويحرص أهلها على إحيائها رغم ما يواجهونه من حصار ، ورغم غلاء الأسعار وشح البضائع ، ليبقى لرمضان طابع خاص في الاكل والشراب .
أدركني الوقت .. وبدأ الناس يختفون من الأسواق ،، فذهبت لأجلس على مائدة طعامي ، أتفكر في حال تلكم الوجوه في الأسواق ، وكانت عيونهم تروي قصصنا ، تدمي القلب حزناً وألماً ، وتشكو إلي الله حالها ، وترجو خلاصها .. .وكان بجواري مقعد خالٍ ، فإذا بي أتذكر أن هناك أسر فقدت أحد أبنائها شهيداً على أرض غزة بسبب غطرسة المحتل ، وضيق الخناق والحصار ، وشدة المعاناة ، ترك وراءه ذكريات لأهله لا يمكن أن يمحوها الزمن ، فربما يكون هو قبل استشهاده رب هذه الأسرة ، فقد كان يجلب لهم حاجيات رمضان كل عام ، وكان له أثره على أبنائه ، يعلمهم الصلاة والقرآن وفوائد رمضان وقيام ليله...
وتلك أسرة أخرى بات أحد ذويها في المعتقلات وبين قضبان المحتل ، فتجد صدى للدعاء يتردد ،، يخترق الصمت قبل الأذان ، بأن يفك الله أسره ، ويعود ويشاركهم موائد رمضان ،، ...
بدأت أرى على طاولتي ، أنواع الطعام ، وأصناف الشراب ، فبكيت .. وتذكرت أسراً ، لا تملك قوت يومها ، ليس في رمضان فقط ، ولكن سائر أيام العام ، ولسان حالها يقول اللهم لك صمت عاماً ،، وعلى ما رزقتني اليوم أفطر ، فإن كان لي رزق غداً لأشكر ، أو لأصبر على الصوم ، وأنتظر أهل الخير ورزق السماء ، ،، أناس فضلوا العفة وعزة النفس عن امتهان أنفسهم ، والتسول في الأسواق ،
أستشعر عظمة الله في تدبيره ، وأحمده على ما رزقني من نعمة ، وما أكرمني فيه من الصحة ، وعافاني في بدني وفي أهلي ،،
انطلق صوت مدفع .. ليس مدفع الإفطار ..!! ، بل من فوة دبابة الاحتلال !! ، وقت الأذان !! ليذكرنا بأن الاحتلال لازال جاثماً على أرضنا ، والحصار مستمر !!
رفعت كوب الماء ،، وقت الأذان ،، اللهم لك صمت ،، وعلى رزقك أفطرت ،، ابتلت العروق ، وذهب الظمأ ، وثبت الأجر إن شاء الله ،،
دامت موائدكم عامرة بأهلها ،، وما لذ وطاب من مأكولاتها..
من كتاباتي :::أبو المجد::